حـــدائق الأداب

القلب السليم...لماذا...؟ و كيف...؟

يقول الله عز و جل :

{يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}
 (89)-(88) من سورة الشعراء.

 القلب السليم





القلب السليم ليس هو العضلة التي تغذي الجسم بالدم فقط ،بل هناك أشياء أخرى يقوم بها القلب كوظائف أساسية لا غنى للإنسان عنها...

فالبلقب يعقل الإنسان الحياة...

القرآن الكريم هو كتاب الواحد الأحد الفرد الصمد...هو كتاب من عند الله رب العالمين...هو كلام الله و قول الله جل في علاه الذي أنزله للناس كافة على بشر فضله و اصطفاه ليكون قدوة للعالمين عليه الصلاة و السلام إلى يوم الدين...لكي لا يكون للناس على الله حجة يوم البعث يوم الفصل يوم الحق... يوم لا تملك نفس لنفس شيئا و الأمر يومئد لله...يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم...!؟
 فلماذا يحتاج الإنسان إلى قلب سليم...؟
 و كيف يحقق ذلك...؟ 

*** *** *** *** ***


 هل الإنسان في حاجة إلى كتاب يعلمه قواعد الحياة و يبين له سبل النجاة و يحقق به مــراتب الفلاح و يشيد به عمارة الإنسان حتى يعيش في سلم و سلام و أمن و أمان مع خالقه و مع نفسه و مع الآخر القريب و البعيد ثقافيا و حضاريا...؟
 لماذا قيل و ما زال يقال:" إن العقل السليم في الجسم السليم"...إن سلامة العقل هي أساس بناء الإنسان فكريا و ثقافيا و حضاريا...و هذا هو المتداول بين الناس عامتهم و خاصتهم...و مع ذلك لا تخلو حقبة من الزمن أو عصر من العصور إلا و تطاحن الإنسان مع الإنسان...فأين العقل السليم إذن...؟ أليس الخلل أفي تحديد المكان، بمعنى هل هو في الرأس أم هو في الصدر...؟ فعلماء العصر يكاد يجمعون على أنه في الراس إلا فئة -من رحم ربي منها- تقول إنه في الصدر...و من هنا ينتج تيه و غموض و تضارب في تحديد المفهوم...؟

تبعا للمنطلق الذي يتأسس عليه مفهوم العقل...؟ باعتبار أن للمكان أثر في تحديد المفهوم و تشكيل خصائصه... و من تم قد يكون من بين أسباب عدم تحقيق ما أراده هذا العقل حتى يكون سليما في مجتمع سليم هو الآخر هو عدم إدراك المكان الذي يصاب بالخلل و السقم فتنتفي السلامة و تبقى الحسرة و الندامة في نهاية المطاف...؟

 و هذا ما لا يريده العاقل و لا يرغب فيه من يملك مثقال ذرة من الفهم السليم و الفكر القويم...!؟ فلماذا لا نعيد النظر في بعض المقولات حتى تكون الأقوال مطابقة لحقائقها و الأفعال شاهدة على سلامة مقدماتها و بالتالي على سلامة نتائجها...؟ و لذلك أقول من جديد: "إن القلب السليم هو شرط لوجود العقل السليم في الجسم السليم"...!؟

الكل يدرك أن الأمراض الاجتماعية هي آفات تنعكس على السلوكيات الفردية و من تم تؤثر بشكل أو بآخر على سلامة المجتمع...فهل يحتاج الإنسان في هذه الحالة إلى نظرية متكاملة أو منهج قويم حتى يؤسس شخصية الإنسان الذي حاولت العلوم الإنسانية و حتى الطبيعية أن تصنعه انطلاقا من نظريات و تصورات و مفاهيم متعددة و متنوعة...؟ ألم يشهد الغرب نهضة بلغت ما شاء الله جل و علا حين انتفعت مما جاء من الحق في القــرآن الكريم...؟ ألم يخفق العرب حين تركوا تعاليمه وراء ظهورهم...؟ ألم يحن بعد الوقت للإنسان العاقل المتمتع بقلب سليم أن يدرك حقيقة الحق...؟
  يقول الله جل و علا:"  إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْ:دِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا" الآية 9 من سورة الإسراء...

 لا يمكن للإنسان أن ينطلق من فراغ أو عدم حتى ينتج شيئا...لأن قدرته لا تسمح له بذلك و إرادته لا تستطيع ذلك...و من تم فهو في حاجة إلى معرفة قبلية معرفة مسبقة تؤسس له المبادئ الأولى لتحقيق الفعل الثقافي و من تم الفعل الحضاري حتى تصل إلى تحقيق الفعل الإنساني الذي سماه الله عز و جل في القرآن و أفرد له سورة سماها سورة الإنسان...لتكون بمتابة جواب على أسئلة راودت الإنسان مند وعى لنفسه و أدراكه لذاته التي تترك أثرا خلفها لمن بعدها...على شكل رموز و علامات ثم صور و كلمات انطلاقا من بعض الأدوات التي ساهمت بشكل أو بآخر في ارتقاءه حتى وصل إلى ما وصل إليه في زمننا هذا...
  هذه السورة التي سماها الحق جل و علا باسمه و هو العليم الحكيم أن الإنسان سيتسائل أسئلة وجودية و أسئلة كينونية و أسئلة مصيرية...و حتى يقرب له الصورة التي يبحث عنها بين له في بضع آيات بينات ما هو و كيف هو و إلى أين المصير...؟فضرب له الأمثال من قصص الأولين حتى تتضح له الصورة فتظهر منها الحكمة و العبرة و عرض عليه أدوات السؤال لكي يستعمها فيصل من خلالها إلى صورة أكثر وضوحا ،و اقتناع أكثر عمقا ،و إيمانا أكثر صدقا ،بكاتبه الكريم و سنة نبيه عليه الصلاة و السلام...
فهلا أدركنا حقيقة الإنسان قبل أن نتساءل عن السمع و البصر و الفؤاد...؟ فالسمع له علاقة بالوعي و البصر بالبصيرة و القلب بالتعقل...؟ و كل شيء في علاقة بالأشياء الأخرى...لا ينفصل السمع عن البصر و لا العقل عنهما و لا الإحساس و لا الشعور بمعزل عنهم، و كل شيء يؤثر في الأشياء الأخرى بدرجات متفاوتة...مصداقا لقوله صل الله عليه و سلم...عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه و سلم: مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى"(فتح المنعم -فتح الباري لابن حجر العسقلاني-شرح النووي)...

و الحديث النبوي تبيان لحقيقة علمية سارية المفعول وهي كون الجسد العضوي إذا أصيب بمرض أو أذى فإن سائر أعضاء الجسد تتضرر و يبدأ الجسد بأعضائه يتحرك انطلاقا من سنة الله عز و جل التي جعلها آية من آياته بالسهر و الحمى ليتم التداوي و الشفاء...بالإضافة إلى الحكمة البالغة التي يتضمنها الحديث النبوي من كونه يحث على التضامن و التكافل كجسد واحد... فالحياة هي المدرسة التي يتعلم فيها الإنسان أسس كل شيء...من قراءة و كتابة ،من علم و معرفة، من سلوك و تصرف، من حسن التفكير إلى أفضل تدبير، من التحية إلى المنية، من الولادة إلى الشهادة...من المهد إلى اللحد...مراحل و أطوار هي أقسام يتعلم فيها الإنسان أشياء و يعلم فيها نفسه و غيره أشياء أخرى...الحياة هي مدرسة بكل المقاييس...مقاييس التربية و التعليم...فما هي الحكمة من الصلاة و الصوم...؟ ما الغاية و الهدف من الصبر...؟ لماذا سميت سورة من القرآن الكريم و سماه الحكيم العليم باسم"ص"...؟ لماذا وردت الاستعانة بالله العلي العظيم في سورة الفاتحة و جعل الصبر و الصلاة من أدوات الاستعانة...؟

و تساؤلات أخرى إذا ما طرحها الإنسان و تدبرها و تفكر في معانيها و الغاية منها و الحكمة في كل ذلك...لا يمكن إلا أن يجد خيرا و سعادة و طمأنينة في كل ذلك...فكيف ذلك...؟ فلماذا كأداة للسؤال تحيل الإنسان على الحكمة و الغاية من ذلك ،و كيف كأداة تبين للإنسان الوسيلة و الطريقة و المنهجية التي يصل بها إلى تلك المعرفة و ذاك العلم...؟ فهل المعرفة و العلم يؤديان إلى الراحة و السعادة و الطمأنينة كما جاء في كتاب الله عز و جل ...؟أم أنهما على العكس من ذلك ،و أجراه الحق جل و علا لمن ضل السبيل ،على لسان بعض الناس من خاصتهم و عامتهم و من أقوالهم و أمثالهم التي تعكس ذلك القلق و تلك الحيرة...؟ لماذا و كيف مفتاحان لباب واحد هو باب الحق...فهلا استعملتهما في فتح أقفال قد تكون على قلبك...؟ 

 و هل صحيح أن القلب هو أداة التعقل...و هو كذلك...و هذا سؤال للتذكير و للتنبيه عمن يبحث عن العقل في جهة الرأس و ليس في الصدر...كما دلت على ذلك الأدلة النقلية من النصوص القطعية الدلالة...من قول الله عز و جل و أحاديث الرسول عليه الصلاة و السلام...؟ فهل سيجد إنسان العصر فيما وصل إليه العلم الحديث من تطور و رقي في سلم المعارف ما يقربه إلى الحقيقة الكبــرى و الآية العظمى...؟أم أنه لا زالت أمامه أطوار و سحب و غيوم و أغشية و أقفال تحجب عنه الحقيقة التي سيقف عليها حتما في يوم من الأيام...تلك الحقيقة التي لن يسلم من فزعها و هولها" إلا من أتى الله بقلب سليم"...؟

  من القوانين الفزيائية التي استطاع الإنسان بفضل من الله و منة أن يكتشفها في حركة الطبيعة و الكون و المجتمع و الإنسان على السواء "قانون الفعل و رد الفعل" إضافة إلى القوانين الأخرى و منها قانون السببية و الكل أكبر من الجزء و غيرها كثير...فلو نظرنا بعين البصيرة إلى قانون الفعل و رد الفعل و قلنا أن القوانين الطبيعية لها مثيل في القوانين الاجتماعية فماذا يمكن القول في سنة الابتلاء التي تشكل أساس الفعل و ما هي سنة "رد العفل" في السنن الإلهية التي جعلها الله عز و جل في مقابل سنة الابتلاء ،أليست هي سنة التغيير التي يعتبرها البعض أم السنن الربانية...؟ الابتلاء (فعل) مصداقا لقوله عز و جل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }هود7. وهو الذي خلق السموات والأرض وما فيهن في ستة أيام, وكان عرشه على الماء قبل ذلك; ليختبركم أيكم أحسن له طاعةً وعملا وهو ما كان خالصًا لله موافقًا لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولئن قلت -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين من قومك: إنكم مبعوثون أحياءً بعد موتكم, لسارعوا إلى التكذيب وقالوا: ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا إلا سحر بيِّن.[التفسير الميسر].

 {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ }الملك2 .الذي خلق الموت والحياة؛ ليختبركم - أيها الناس-: أيكم خيرٌ عملا وأخلصه؟ وهو العزيز الذي لا يعجزه شيء, الغفور لمن تاب من عباده. وفي الآية ترغيب في فعل الطاعات, وزجر عن اقتراف المعاصي.[التفسير الميسر].

الله العظيم فهو الخالق لكل شيء، في الآية السالفة الذكر بدأها بالتذكير بأنه الخالق للسماوات و الأرض التي هي أكبر من خلق الإنسان، و في الآية الثانية من سورة الملك ،أن الموت و الحياة اللذان يسريان على كل المخلوقات هما خلقتا لحكمة و غاية و من أجل تحقيق مشيئة الله عز و جل و سنته التي وضعها كقانون شامل و ثابت و مطرد هي سنة الابتلاء كسنة موضوعية لا يمكن لأحد أن ينفلت منها...كل إنسان بحسب ما يسره الله من ظروف و شروط تاريخية تنتظم ضمنها الظروف الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الأخلاقية و الدينية و الفنية و النفسية...و هذه الظروف هي العوامل و الأطر التي ينشأ ضمنها الإنسان و يتأثر بها و يتشرب منها المفاهيم التي تصنع شخصيته و تحدد مواقفه تبعا للأحداث التي ترتبط فيما بينها ضمن سياق عام سماه الحق جل و علا القضاء و القدر و الذي لا يكون الإنسان المؤمن مؤمنا إلا بالإقرار به و الاعتقاد به كمكون ضمن مكونات الإيمان...

 و عليه يتضح أن الابتلاء هو ضمن السنن الربانية الاجتماعية التي تفعل فعلها بموجب قدرة الله عز و جل في تدبير شؤون الخلق و المخلوقات...و على الإنسان أن يتصرف في كل موقف بحسب ما تقتضي ظروف الحال بناء على جملة المفاهيم التي تشكل أساس معرفته و علمه و زاده الفكري في العيش ضمن الشروط السالف ذكرها...و من هنا تكون سنة التغيير كسنة هي الأخرى جعلها الحق جل و علا ضمن السنن الاجتماعية التي في تفعيلها و الوقوف على حقيقة مراد الله عز و جل منها في تحقيق الشطر الثاني من المعادلة التي جعلها الله العليم الحكيم مجالا للتفاعل و التدافع في الأرض...فسنة التغيير هي رد الفعل في مقابل سنة الابتلاء كفعل...مصداقا لقوله عز و جل: ... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ }الملك2..."أحسن عملا" هو رد الفعل الذي يترتب على كل فعل يقوم به الإنسان في نشاطاته اليومية من يقظته في الصباح حتى نومه في المساء ، من ولادته و تدرجه و انتقاله من طور إلى طور و من مرحلة إلى أخرى حتى موته، و عودته إلى خالقه في يوم يتم فيه الأجل ،الأجل الذي جعله الله جل و علا الحي الذي لا يموت وقتا و حينا و أمدا لكل مخلوق فوق هذه الأرض و تحت هذه السماء...

لمشاركة هذا العمل:

تويتر فيسبوك 0عدد التعليقات


�������������� ���������