حـــدائق الأداب

ما الفصل و ما الوصل...


ما الفصل و ما الوصل...؟



 


 

ما الفصل و ما الوصل...؟


إذا كان من الصعب فعل شيء في زمننا المعاصر و ليس من المستحيل...فهذا يعني أن هناك وقت لفعل شيء ما...لأن الممكن، ممكن أن يحدث بشكل أو بآخر...أما مع المستحيل فحتى التفكير في الفعل يصبح في خبر كان...و هذا ما كان يتعوذ منه الرسول الكريم عليه   الصلاة و السلام...لأن المستحيل مع وجود الممكن عجز و كسل و خمول و ما إلى ذلك...

الإنسان المسلم و خاصة المعاصر ليس عليه أن يفصل بين بشريته و آدميته و إنسانيته...لأن المنتمي للإسلام لا يضع فصلا بين ما هو ككائن حي و بين اعتقاداته و مبادئه و خلفيته و مرجعيته الفكرية...و إلا سيصاب بحالة اللاتوازن في شخصيته...و الآفة الكبرى أن هذا ما هو عليه واقع الشباب اليوم ذكورا و إناثا، إلا من رحم ربي...فلا هم أقاموا في سلوكهم أسس التقوى و لا هم أسسوا وفقهوا و علموا لماذا هم موجودين أصلا...؟ 

فالمسافة التي تفصل بين القول و الفعل مسافة تقدر بقدر درجة الإيمان...(و لا نفسي و لا أزكي أحدا و الله يزكي من يشاء)...فهل حقا استطاع شباب اليوم أن يستوعب قول الله عز و جل:" الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) سورة البقرة.

فهل يفصل العاقل بين التدين و بشريته و آدميته و إنسانيته...الحقيقة التي غابت عن ذهن العديد من الناس...و الواقع الذي يشهد بذلك...أن جل بل كل النشاطات التي تصدر عن الإنسان من أبسطها إلى أعقدها تدخل في دائرة الاعتقاد...في مرجعيته الفكرية و الثقافية و المعرفية...لأن كل نشاطاته تصبح عبادة إذا ابتغى بها وجه الله عز و جل...فكيف يفصل بين التدين و التعلم ...؟ أو بين التطبيب و التدين...؟ أو بين التجارة و التدين...؟ كل النشاطات التي يقوم بها الإنسان تدخل ضمن دائرة الدين...و التدين هو ممارسة الدين سلوكا (قولا و عملا)...؟ هل يستطيع الإنسان أن يعيش بل اعتقاد...حتى الإلحاد فهو اعتقاد...لكنه اعتقاد في الجانب السلبي للوجود...و الإيمان الحق هو اعتقاد في الجانب الإيجابي...أحببنا أم كرهنا...الذي خلق كل شيء هو الذي جعل من الحق و الباطل في مسيرة الإنسان جدلية للتدافع...و من هنا لا يمكن الفصل بين الدين و الدنيا كما أراد البعض أن يفعل...حتى يجعل من الجسد شيء و من الروح شيء آخر بعيد كل البعد عن الواقع...فإذا ارتبط الجسد بالمادة، فذاك شيء طبيعي لأنه خلق من مادة (من طين) لكن ان ينسلخ عن الروح (و هي أمر من رب العالمين) فهذا ما يقبل به إلا من اختل له الميزان...لأن الجسد لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستغني عن الروح...و هل وجد الميزان بدون كفتين...؟بمعنى بدون طرفين...بدون حدين...خذ على سبيل المثال في الحديث النبوي للنبي الأمي صلى الله عليه و سلم (لا إفراط و لا تفريط) حتى يكون التوازن القائم على الميزان...فكفة الحق و كفة الباطل في تدافع مستمر سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو الأمة...

المسلم لا يبحث عن ذاته...المسلم لا يطرح أسئلة الوجود...من أين أتيت...؟و إلى أين أسير...؟ و ما الغاية من الوجود ككل...لديه يقين مطلق في الله عز و جل...قد تهتز يقينياته في بعض الحالات لكنه يعود إلى الله عز و جل فلا يشك و لا يرتاب فيما أنزله في كتابه الكريم على رسوله الصادق الأمين صلى الله عليه و سلم...هذه أسئلة وجد لها الإجابة الشافية في الكتاب الذي أنزله من فوق سبع سماوات...

تظل الأسئلة الصعبة كيف يحقق الغاية من وجوده...؟ كيف يتحمل الأمانة...؟ الأمانة التي رفضتها السماوات و الأرض و الجبال و حملها الإنسان...؟ كيف يستطيع أن يتبع الهدى و لا يتغلب عليه الهوى...؟ كيف يمكن أن يحقق الصدق الذي فطر الله عز و جل الناس عليه...في أقواله في سلوكه في معاملاته في تجارته في وظيفته في مهامه في صفقاته...الرسول عليه الصلاة و السلام قبل نزول الوحي لقب بالصادق الأمين...لأن الأمانة لا يتحملها إلا الصادق...فكيف يستطيع إنسان العصر أن يكون صادقا...؟ و كل شيء يقطر بالكذب و الزيف و الغش...خذ على سبيل المثال مقولة "الكيل بمكيالين" هذه مقولة لا يقبلها العقل الصادق و المنطق الأمين...لأنه لا يقبل الباطل حتى يراه حقا و لا يجعل من الحق باطلا...حتى يقضي مصلحته و يرضي أهواءه...يقول الله عز و جل :"أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) سورة الجاثية. هناك معادلة قد يصدقها البعض و قد يرفضها البعض الآخر و هي معادلة الهدى و الهوى...و الهوى ليس حرام و لكنه بيت الأساس في الابتلاء...في الحديث الصحيح عن أبي محمدٍ عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به))؛ حديثٌ صحيح، و ما جاء به الرسول عليه الصلاة و السلام هو الهدى... كان خُلُقُه القرآن كما قالت عائشة - رضي الله عنها - فالقرآن الكريم يدعو إلى الحق و إلى الصدق و إلى التقوى و إلى كل القيم الإنسانية التي تربط بين السماء و الأرض و لا تفصل بين الدين و الدنيا...

فالمدد الذي يحتاجه الإنسان حتى يستقيم و الاستقامة اتزان و الاتزان حكمة و خير هو أن يجعل من الوحي مرجعا للوعي...فلا يستطيع مصباح أن يضيء بغير كهرباء...فالوحي نور يقذفه الله عز و جل في قلوب عباده الذين اتقوا فيصبح لديهم الوعي بصيرة يدركون به حقيقة الأشياء...

أقول قولي فإن أصبت فذاك فضل من الله عز و جل و إن أخطأت فمن جهلي و نفسي فأستغفر الله العظيم و صلى الله و سلم على المبعوث رحمة للعامين...

 

 

لمشاركة هذا العمل:

تويتر فيسبوك 0عدد التعليقات


�������������� ���������