حـــدائق الأداب

...قيمة الكلمة

قيمة الكلمة...



بسمة من وراء الستار ...

كم هو قاس أن تنزل على وجه الصباح دمعة طفل...
كم هو رائع أن تسمع صوت زغرودة حين تضع الحامل براءة جديدة...
 بسمة تفاؤل تقتحم وجه عجوز تعيد إليها الحياة...
تشتعل الخدود حمرة...
تخبئ العيون أسرارها...
تكشف النظرات عن خطوات تتسائل لماذا توجود الحفر...
أليست للذكرى و العبر...؟
جواهر تحكي عن طفولة غابت فيها الفرحة...
في عينيها انكسر الأمل و بقي الرجاء...
حياء يكسوها...
عن الأشجار التي ظللتها عن الأقلام التي أفرغتها حين كانت تتساقط أوراق الحياة...
تفتح الأيام صحيفتها لتستقبل طائرا يقيم عشه على جيدها
يجمع زاد الحياة...
من يديها تتسابق حروف و دروب تنمو ثمارا أو تنزل دمارا...
عبرات تسري في صمت فراغ مملوءة بأسئلة ...
يشكو الصدى من هول انكسار...
شعاع قمر يطل من بقايا ليل صباح قادم...
نهار دافئ سعي حثيث تعب و سعادة...
زمن لا ينتظر قطارا و لا أفكارا هو بناء و هدم سراب أو جواب يقين أو شك حقيقة أو خيال...
يوم ثقيل تذكرة أو نسيان جنة أو نار...
جعلنا الله عز و جل جميعا يا أمة النبي الأمي صلى الله عليه و سلم من أهل الجنة...
برحمته التي وسعت كل شيء...

المتاهة...و الطريق...



بسم الله الرحمن الرحيم

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
 (115) سورة المؤمنون








...؟المتاهة...و الطريق

خرج من الكهف لا يعرف شيئا...صارع الحياة من أول يوم بالبكاء...بعدها خرجت ابتسامة صادقة بريئة...نزلت بين مسافة الزمان و المكان...كما تنزل فراشة على زهرة تأخذ من جمالها لتضيف حلاوة عطرها إلى سحر ألوانها...أنارت الوجه الصافي من الزيف...و رسمت لوحة كانت بداية المتاهة...و انطلاقة الرحلة في شيء يحمل المجهول و المعلوم في نفس الوقت...

استيقظ رويدا رويدا لما تلمس أطرافه...زادت دهشته لما عكست المرآة ملامحه...بدأ يشرب لبن أمه و ثقافة أبيه و بيئته...موائد مختلفة أذواقها متضاربة عناصرها غنية بمقوياتها محبطة بمثبطاتها...أخذته الحيرة حين وجد اختلافا بين القول و الفعل...تحرك في أعماقه هواجس السؤال:لماذا أنا هنا؟ و كيف وصلت إلى هنا؟ استعرض أمام عقله شريط حياته...خرج من ذاته إلى حياة إلى الآخرين...تشابه و اختلاف تقريبا في كل شيء...ما هذا؟ كيف يشبه الماء الماء و يختلف الماء عن الماء...؟ هذا الذي ينزل من فوق ثم يعود إلى فوق لينزل مرة ثانية؟ دورة مستقرة عبر ملايين السنين...حول ماذا تتم هذه الدورة؟ ماذا يفعل الماء حين ينزل من السماء؟ أليس لهدف ما؟ من أجل غاية ما؟ ما سر هذه الأسئلة؟ ما سر هذه الحروف التي تكون الأسئلة؟

ما سر هذه الحروف التي تتشكل لتصنع كلمات تأخذ معاني متعددة و أسماء مختلفة...ما وجه الشبه في كلمة الماء و السماء؟ و ما وجه الاختلاف بينهما؟ على مستوى الحرف هناك إضافة حرف"س" إلى "الماء" فأصبحت "السماء"...و الماء لا ينزل إلا من السماء...فما علاقة الماء بالسماء؟ ماذا أضافت السماء للماء؟ أضافت الكثير أم القليل؟ و ما نوع الإضافات التي قدمتها؟ و ما هي درجة أهميتها؟ هل يمكن تلخيص ذلك في كلمة؟ أليست تلك الكلمة هي"الحياة"؟

و ما السر في الحياة حين تنتقل بين حدين متناقضين إلى أبعد الحدود؟ سعادة من جهة و شقاء من جهة أخرى؟ و ما السعادة؟ أليست هي الفرح و السرور و الراحة و الطمأنينة و الرفاهية و التقدم و الازدهار و الصحة و الاستقامة و الهدوء و السكينة؟ أليست هي هذا كله مجتمعة؟

فلماذا يوجد الشقاء؟ و ما الشقاء؟ أليس هو الحزن و الهم و الغم و الاضطراب و الفقر و التخلف و المرض و الانحراف و الضجيج و الفوضى؟ أليس الشقاء هو هذا كله مجتمعا؟و حول ماذا مجتمعة هي السعادة و الشقاء؟ أليس حول الإنسان تجتمع السعادة و الشقاء؟ و من هو أفضل من الإنسان من بين المخلوقات الموجودة؟أليس هو الكائن الوحيد المميز بالعقل و الفكر و الاستعمال الأمثل لقدراته؟ أليس هذا من الجمال؟ فما علاقة السعادة بالجمال؟و ما علاقة القبح بالشقاء؟

حاول أن يصحح وضعه أو وضع أسئلته أو وضع ما عشش في ذهنه...أعاد طرح السؤال على نفسه و هل هذا وقت الحديث عن القبح و الجمال؟ تراجع قليلا ثم تساءل من جديد و ما هو الوقت؟ ألدبه علاقة بالصباح و الظهيرة و المساء؟ أهو الليل و النهار؟ أهو الفصول المتعاقبة؟أم هو الطفولة و الشباب فالرجولة فالشيخوخة فالهرم؟أهو الآخر له دورته؟ و حول ماذا تكون دورته؟ أعلى نفسه أم على غيره أم عليهما معا؟ أثقلته الأسئلة...نظر من حوله و كأنه يبحث عن الأجوبة...وقعت عيناه على كتاب ضخم...فيه عدة مجلدات...تفحص العنوان...ما هذا؟ كتاب الحضارة...

حضارة الإنسان مند قديم الزمان...يحكي رحلته هذا المخلوق عبر العصور و الدهور...ماذا أنجز؟ و ماذا صنع؟ و ماذا خلف وراءه من علم وبيان...من فن و سحر و آثار تنطق بأن الإنسان كان هنا ثم مر ثم اختفى كباقي الأزمان...كباقي الأيام...راوده السؤال من جديد...ما سر هذا الإنسان؟ أهو الوحيد القادر على الكتابة و فك رموز الطبيعة المليئة بالأسرار و المخلوقات الكبيرة و الصغيرة لحد الآن...لماذا انقرضت مخلوقات و أخرى في الطريق؟ لما يقتل الإنسان الإنسان و يقضي بالحروب عل كل ما هو جميل في هذه الحياة؟ كيف يصنع من الحروف آلات يسلكها بين يديه فتصبح قنابل مدمرة عابرة للقارات؟أهي الضرورة؟أية ضرورة و ما مدى شرعيتها؟ و من أين تستمد مشروعيتها؟ هل هي الأخرى تقع في دورة الحياة؟ كثرت عليه الأسئلة فتصبب جبينه عرقا...مسح بيده على وجهه...هذا ماء بطعم آخر يخرج من الجسد...كماء آخر يخرج فتنبت منه الذرية و يتكاثر منه البشر...

يحكى في كتاب ليس له مثيل...أنه عندما كثر البشر...و عم الشر...و علا الباطل...تدخل مدبر الأمور...ففاض التنور...وطغى الماء حتى طهر البر بواسطة المطر حتى أصبح البر كالبحر...و لم يترك على البر سوى الحر...الحر الذي يدرك ما معنى الحرية؟أو الحر الذي يفسد في الأرض باسم الحرية؟ و ما الحرية؟ و ما علاقة الحرية بالإنسان و الإنسانية؟ إذا انعدمت الحرية انعدمت الإنسانية؟ و إذا انعدمت الإنسانية ماذا سيحل محلها؟ ستحل محلها درجة أدنى في سلم المخلوقات الوجودية تسمى الحيوانية...و هل يصبح الإنسان حيوانا؟ قد يكون كذلك إذا فقد الشيء الوحيد الذي يميزه عن الحيوان؟ و ما ذاك الشيء؟ ذاك الشيء هو "العقل"...و ما علاقة العقل بالحرية؟ لأن العقل هو مصدر الإرادة التي تجعل الإنسان إنسانا أو بيها بالحيوان...

و تلك مرحلة أخرى عاشتها الحضارة الإنسانية و لا زالت تعيشها...ففي فصل من فصول كتاب الحضارة تجد من قال بأن أصل هذا الإنسان حيوان...خضع بحكم التطور الطبيعي لمجموعة من العمليات الفسيولوجية و النفسية و المعرفية و الفكرية...فانتقل من الحيوان إلى الإنسان...و بحكم الفراغ الذي عرفه الجهل بحقائق الأشياء...استقر لدى العديد من البشر على أن أصلهم انحدر من سلالة معينة من الحيوانات...قال عالمهم هي فصيلة معينة من القرود...و من تم استقرت في سلوكيات بعض البشر عادات لا يمكن أن تجد جذورها إلا في سلوكيات بعض الحيوانات التي لا تفرق بين الحق و الباطل...بحكم فقدانها للقدرة على التمييز بين ما هو المستوى الإنساني للكائن الحر...و الذي ولد حرا يوم ولدته أمه...و بين المستوى الحيواني على الشكل الذي ولدته أمه...

بالإضافة إلى أنه لم يسجل في كتاب الحضارة أي تاريخ نزل فيه قرد من الغابة مدعيا أنه أكمل طوره الانتقالي بحكم الفرضية الزائفة القائلة أن عوامل التطور الطبيعي هي التي جعلت من الحيوان إنسانا...و رغم بطلان هذه الفرضية فلا زال البعض يعتقد في صحتها و يسعى جاهدا في تبرير مصداقيتها...في حين أن العلم الحديث أكد بما لا يدع مجالا للشك...أن القرد لا يمكن أن يلد إنسان و لو بقي الدهر كله...انطلاقا من التكوين البيولوجي الذي يختلف من مخلوق لآخر...

إذن أين السبيل للخروج من المتاهة؟

تصفح العديد من الفصول في كتاب الحضارة...إلى أن عثر على فترات من تاريخ البشرية...غيرت مجرى التاريخ برمته...فترات كتلك التي سمع بها عن طغيان الماء حتى وصل عنان السماء...فبعد جهد جهيد تبين أن هناك كتبا تختلف عن سائر الكتب العادية أو المعروفة...فحاول معرفة مصدرها حتى يتبن له صدق كلامها... فقيل له إنها من السماء...نزلت على بشر يختلفون من حيث طريقة تفكيرهم و سلوكهم عن باقي البشر...هؤلاء سماهم خالق السماء و الأرض بالأنبياء و الرسل...و خالق كل شيء...الله رب العالمين... فوجد ما وجد من الكتب التي أرسلها معهم لتكون حجة عليهم... فاستمر في البحث عن الأصح و الأصدق قولا فيها و المنزه عن التحريف في كلماتها... و بحكم ما يقوله العلم أن آخر النظريات يكون أقرب للحق و الحقيقة...فتبين له أن الحق جل و علا في آخر كتاب من كتبه المحقة...خالق السماء و جاعل من الماء كل شيء حي...يجيب عن كل الأسئلة الكبرى التي قد تبدو مستعصية على الفهم عبر تاريخ الإنسانية...في كتاب سماه القرآن الكريم...فقد نزل على بشر ممن خلق...اصطفاه كما اصطفى الذين من قبله لتبليغ ما أمره على هدي من ربه...فكان آخر الأنبياء و المرسلين عليهم أفضل صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين...و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...