حـــدائق الأداب

أفق...

...أفق


 






...أفق

جلس على الشاطئ مهموما حزينا...يفكر فيما آل إليه الوضع العالمي من حروب هناك وفيضانات هناك... من غنى فاحش إلى حد المرض والتخمة، وفي جهة أخرى فقر تتضور منه الآلا ف جوعا وعطشا ومرضا...كل هذا أثقل عليه...لأن أستاذه طلب منه بحثا عن ...الأوضاع الدولية، حتى يتقدم به لنيل شهادته الجامعية

 

احتار في أمره من أين سيتناول الموضوع حتى لا يكون كباقي البحوث التي استقرت على رفوف مكتبات الجامعات تتستر بالغبار وتنتظر حتفها حتى تتقادم ويتم حرقها أو بيعها ورقا ليعاد تكريرها لا حقا...أراده بحثا يلفت الأنظار ويفتح الأبواب لذوي العقول النيرة والنيات ...الحسنة والمساعي الحميدة...لكنه لم يفلح في ذلك

 

وبينهما هو كذلك، إذ ظهر له في الأفق، حيث التقت السماء بالماء، شيء يتحرك وكأنه علم بلاد ما يرفرف... وكأنه يطل على هذه المدينة من مكان بعيد...و كأنه مولود جديد يخرج من رحم البحر...لحظتها نزل عليه سؤال كما ينزل الغيث من السماء...أتكون الأرض ...؟كروية ...و العين تراها مسطحة في حدود نظرتها 

 

بدأ العلم يصعد شيئا فشيئا وبدا كأنه متبث في عمود طويل...ينمو ويتصاعد نحو السماء، كما يتصاعد ساق وردة أو سنبلة أو شجرة أو اي شيء عندما يريد أن يعانق السماء...بدت ...بعض الحبال المرتبطة بالساق تظهر رويدا رويدا

 

كانت الشمس تتهيأ للغروب وكأنها تجمع خيوطها وتهوي بشكل بطيء للغاية وتختفي وراء الأفق ...وكأنه خط فاصل بين السماء والماء...اختفت وراءه الشمس...و ظهرت أنوار السفينة مشتعلة تضيء الأفق وكأنها جوهرة متلئلة... تصعد من العدم لتتجلى على الخط ...المستقيم تعانق السماء وتفترش الماء

 

راودته لحظتها مجموعة من الأسئلة...لماذا تنحصر رؤية العين في الأفق عند التقاء السماء بالماء...؟ هل هي خدعة بصرية...لا ليست خدعة بصرية...أتلك حدود قدرة البصر على النظر في الأفق...؟ كيف لا يرى الإنسان ما وراء الأفق...؟ هل هو مسطح مستوي أم أنه يميل شيئا وينحرف ثم ينجرف كسهل منخفض لا يمكننا رؤيته بحكم انحداره إلى الجهة الأخرى...؟ أحقا هي السفينة صعدت من وراء الأفق...؟ من ذاك المنحدر الذي لا تراه ...؟ العين...بحكم حدود رؤية العين

فإذا كانت منبسطة في حدود رؤية العين على امتداد شاسع فهذا يعني أنها تنحدر قليلا في اتجاه منبسط هو الآخر على امتداد رؤية العين...فالذي يقف في الأفق و يرى في نفس الاتجاه الذي يرى منه الشخص الأول هو الآخر سيبدو له الأفق و كأن السماء تلتقي بالماء على امتداد رؤية ...العين

 

ظلت الأسئلة تتراكم في ذهنه وهو يحاول أن يجيب على سؤال كروية الأرض...هل هي ...؟ مسطحة أم مستدرية أم كروية

 

في تلك اللحظات غابت الشمس عن الأنظار وارتفع صوت الآذان...

فمرت بخاطره الآية الكريمة:

 

يقول الله عز و جل:(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)

سورة فصلت الآية ٥٣.

 

ويقول الله عز وجل: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (١٧) و إلى السماء كيف  رفعت (١٨) و إلى الجبال كيف نصبت (١٩) (وإلى الأرض كيف سطحت (٢٠) سورة الغاشية من الآية ١٧ إلى ٢٠

 

الله عز وجل خاطب الإنسان بما يفهم وبما لديه من حواس...ففي حدود النظر يرى  ...الإنسان الأفق ولا يرى ما وراء الأفق حتى ولو كان السهل منبسطا كما هو شأن البحر

 

كبر وهلل سبح وحمد الله وقد غابت همومه كما غابت شمس ذاك اليوم فأدرك أن الأمر لله وأن البصيرة هي التي تدرك حقائق الأشياء وما العين إلا وسيلة ربانية تمد ...البصيرة بالعديد من الأسئلة لتحفزها لمعرفة الحقيقة